ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

204

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فاعلم أنه رضي اللّه عنه يشير بقوله : قد كان إلى المساوقة لمن وقف عليها ألا يتقيّد وجود الحق مع وجود العالم بين الإيجاد والمشيئة الأزليّة ، وإن كانت العبارة توهم بالمسابقة ، ولكن ما يقول بها عقل ، ولا يقدر على إقامة البرهان على ما ادّعاه ، وإنما قلنا بالمساوقة ؛ لأن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أن لا يتقيّد وجود الحق تعالى مع وجود العالم بقبلية ، ولا معيّة ولا بعديّة . فإن هذه كلها أحكام الزمان ، وأحكام الزمان في الإلهيات قد رمت به الحقائق في وجه القائل بها : اللهم إلا أن يقول للتوصيل ، والتعميم ؛ إذ ليس كل أحد أعطي الكشف على حقائق الأمور ، فلا نقول من لسان الحقائق على ما هو الأمر عليه في نفسه أن العالم موجود بعد الحق ، كما لا نقول أنه موجود قبل الحق ، ولا مع الحق فإن الحق هو الذي أوجده من العدم هو فاعله وموجده ومخترعه ، فلا قدم له مع الحق بجميع الوجوه من الوجوه ، ولكن نقول الحق موجود بذاته ، والعالم موجود به تعالى في حال لا قبل ، ولا بعد ، ولا مع ؛ لأنها كلها علل ، والمقام مقام التنزّه عن الآفات والعلل ، وأين أنت من أن الزمان مقدر حركة الفلك ؟ ومتى كان الفلك ؟ ومتى كان حركته حتى يعتبر مقدارها زمانا ؟ وهو من عالم الحق ، وكلامنا من فوق عالم الأمر . فإن قال متوهّم ، فمتى كان وجود العالم من وجود الحق ؟ قلنا : السؤال عن متى سؤال عن زمان ، وهو من عالم النسب ، وعالم النسب من عالم الخلق ، وهو مخلوق للّه تعالى ، فلا نحكم على ما فوقه . فانظر كيف تسأل ، وإيّاك أن تحجبك آلات التوصيل ، وأدوات التفصيل عن تحقيق المعاني الصرفة التي لا يحتملها ، أو إلى الحروف والاصطلاحات ، ولا تسعها قوالب الألفاظ ، وظروف العبارات . وهكذا الأمر هنا في نفس الأمر ، فإنه قال رضي اللّه عنه : لما شاء الحق تعالى ، ثم قال : وكان الحق أوجد ، وهما يطلبان التقدّم ، والتأخّر ، أو المعيّة ، ومثل هذه وقع في التنزيل ، وهو قوله : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] .